أحمد عبد الباقي

98

سامرا

العلم . فهو يتلخص في أن القرآن وان كان كلام اللّه تعالى فإنه مخلوق وليس أزليا مثله . إذ ان ما القي في اذن الرسول صلى اللّه عليه وسلم من كلام اللّه تعالى ، عند نزول الوحي عليه ، لم يكن هو صوت الخالق عز وجل ، بل إنه كلام خلقه اللّه تعالى وظهر بإرادته بصورة غير مباشرة ، وهو يتفق في وضعه وفحواه مع ارادته تعالى . وعلى هذا فإنه من مخلوقات اللّه تعالى المادية مثل غيره من المخلوقات الأخرى ، وليس فكرته الأبدية التي هي جزء من حقيقته لا تنفصل عنه . وهذا يناقض رأي أهل السنة الذين يقولون إن كلام اللّه تعالى صفة أبدية ملازمة له لا بداية له ولا نهاية ، وهو في ذلك مثل الخالق نفسه . ولذا فان القرآن الذي هو كلام اللّه تعالى أوحاه إلى رسوله الكريم لم يحدث في مجرى الزمن ، بل إنه وجد منذ الأزل ، أي انه وجد بوجوده تعالى ، ولذا لا يمكن أن يكون مخلوقا . على الرغم من بساطة الموضوع وعقم نتائجه ، فان اهتمام السلطة والرأي العام به مما يدل على التقدم الثقافي الذي وصل اليه المجتمع العربي في عهد الواثق باللّه في سامرا . ومع أن المعتزلة أتيح لهم ان يستخدموا سلطة الخلافة في فرض آرائهم على الناس ، فإنهم لم ينجحوا في النهاية ، لأن عددا غير قليل من العلماء والفقهاء ، اظهروا استقلالا فكريا وشجاعة أدبية في مناهضة هذه الآراء ، ولأن المحافظين من رجال الدين كان لهم نفوذ كبير على عامة الناس . لقد قام الاعتزال أصلا على الاجتهاد والرأي ، وشأنه في ذلك شأن المذاهب الاسلامية الأخرى . فهي تختلف في عديد من القضايا الفقهية ، غير أن خلافاتها لم تتعد المساجلة والمناقشة وحشد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لتأييد وجهة نظرها . أما دعاة الاعتزال فقد أخذوا مخالفيهم بالشدة والعنف ، بل بالسجن والتعذيب والقتل أيضا . وانهم وسموا بالكفر كل من لم يقل بمقولتهم . وهذا مما يدعو إلى الاستغراب ، إذ أوقع المعتزلة أنفسهم بتناقض واضح بين دعوتهم إلى التمسك بالمبادىء العقلية والدفاع عن حرية الرأي ،